ابن عساكر

58

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

واعلفه وأصلح منه ، ثم خذ سرجه ولجامه وسلاحك فضعه عند وتد فرسك ، ثم أرقب أصحابك حتى إذا أخذوا مضاجعهم ونوّموا فاشدد على فرسك سرجه ولجامه ، واصبب عليك سلاحك وخذ رمحك ، ثم اخرج حتى تأتي عسكر أعداء اللّه فتعاينهم ، وتنظر إلى حالاتهم وما هم عليه ، ثم تصحبني غدا ، ولا تحدثن شيئا حتى تنصرف ، فإذا انصرفت إلى أصحابك الساعة فلا تخبرهم بما عهدته إليك ، فنهض الجراح . فلما أتى أصحابه وهم متشوّفون له سألوه عن أمره فقال : سألني الأمير عن أمر أهل دمشق واعتلّ لهم ، ثم فعل ما أمره الحجاج ، ثم خرج من العسكر يريد عسكر القوم ، فلما كان في المنصف من العسكرين لقي رجلا في مثل حاله ، فعلم الجراح أنه عين للعدو يريد مثل الذي خرج له ، فتواقفا وتساءلا ثم شد عليه الجراح فقتله وأوثق فرسه برجله ، ثم نفر إلى المعسكر الذي فيه القوم فعاينه وعرف من حاله وحال أهله ما أمر به ، ثم انصرف إلى القتيل فاحتزّ رأسه وأخذ سلاحه وجذب فرسه وعلق الرأس في عنق فرسه ، ثم أقبل . وصلى الحجاج صلاة الصبح وقعد في مجلسه وأمر بالأستار فرفعت ، وتشوّف منتظرا الجرّاح وجعل يومئ بطرفه إلى الناحية التي يظنّ أنه يقبل منها . فبينا هو كذلك إذ أقبل الجرّاح يجذب الفرس ، والرأس منوط في لبان « 1 » فرسه ، فأقبل الحجاج يقول ويقلب كفّيه : فعلت ما أمرتك به ؟ قال : نعم ، وما لم تأمرني ، حتى وقف بين يديه ، فسلّم ثم نزل . وحدّث الحجاج بما صنع وما عاين من القوم ، فلما فرغ من حديثه زبره الحجاج وانتهره وقال له : انصرف ، فانصرف فبينا هو في رحله إذ أقبل فراشون يسألون عن الجراح معهم رواق وفرش وجارية وكسوة ، فدلّوا على رحله ، فلم يكلموه حتى ضربوا له الرواق وفرشوا له فرشا وأقعدوا فيه الجارية ، ثم أتوه فقالوا : انهض إلى صلة الأمير وكرامته . فلم يزل الجرّاح بعدها يعلو ويرتفع حتى ولي أرمينية واستشهد ، قتلته الخزر سنة خمس ومائة . قال أبو حاتم : الجراح مولى مسكان أبي هانئ أبي أبي نواس ، وذلك عنّي أبو فراس بقوله « 2 » : يا شقيق النفس من حكم * نمت عن ليلي ولم أنم

--> ( 1 ) اللبان بالفتح ، الصدر أو وسطه أو ما بين الثديين ، ويكون للإنسان وغيره . أو صدر ذي الحافر خاصة ( تاج العروس : لبن ) . ( 2 ) مطلع قصيدة ، قصة الأمم ، لأبي نواس ، في ديوانه ص 41 .